كبلها الحزن أينما ذهبت بذكراها، أصبحت عينيها ترنو في حالة انهيار، يا لذاك الصباح , ككُل يوم تصحو قُبيل الأذان على صوت أمها وغالباً أباها ، ولطالما اعتبراها لم و لن تكتفي من النوم الطويل، فقد كانت و لا تزال تُلقب بصاحبة النوم الثقيل.
نحت غطاءَها و أخذت تمشي و كأن قيوداً كبلت قدميها، تصل إلى دورة المياه القريبة من غرفتها والمشتركة لأخوتها، رأت أنه مشغول , لم تفتها غفوة ، ألقت بجسدها إلى الأرض, كعادتها إلى أن تأتي أمها لتوقظها من غفواتها التي لا تنتهي .
بدأ يومُ كعادته ، توضب أغراضها و تلبس ملابس المدرسة، ترتشف رشفات من الحليب الساخن بجانب أخوتها و أبوها الذي لطالما أحبت جلسته وصمته ،حتى مشيته التي لها هيبة وكثير من التواضع .
كان يوم الاثنين لا زالت تذكر ذلك اليوم أخذت عباءتها وخرجت ، سبقها الجميع إلى السيارة ،ثم تذكرت أنها نسيت حقيبتها ، تلك الحقيبة الثقيلة على عمرها الذي لم يتجاوز الـثانية عشر سنة، و هي عائدة مرة أخرى و إذا بصوت الهاتف يصرخ ، لم تكترث بذلك الصوت لأن أمها سوف تجيب ،و لم تهتم من الذي اتصل في هذا الوقت؟لم تأت هذه الأسئلة على خاطرها ،كان جُل اهتمامها بتلك الحقيبة المنسية ,حملتها,و أخذت تتذمر لثقل تلك الحقيبة .فجأة سمعت أمها تصرخ , وقفت مرعوبة ما الذي حصل؟! ما بال أمي تصرخ فهي لم تُعاني من مرض ما والحمد لله.بينها و بين أمها عشر خطوات فقط , توقفت تلك الفتاة تحارب الأفكار السوداء في وقت كانت أمها تصرخ وتقول لها:أحضري أباك حالاً .
أبت أن تجيب أمها فهي منشغلة بتلك الأفكار و تقول (في نفسها): أيعقل؟جدتي!تلك الأم القدسية, الحنونة !لبرهة عادت إلى العالم, رأت أمها لا زالت تصرخ , رمت تلك الحقيبة التي كسرت كتفيها من ثقلها , وكأنها لم تصدق متى تتخلص منها . هرولت مسرعة إلى الخارج تنادي:أبي!. بينما أباها ينظر إليها بذهول :ماذا يابنتي!!خانتها الكلمات و أخذت تبكي و هي متعجبة من حالها تتساءل لماذا أبكي؟؟ أصدقت تلك الأفكار, لا لا يمكن, أبوها لم ينتظر أن تعود للعالم و تخبره ماذا تريد؟ فقد شعر بأن هنالك خطب ما! ما هو ؟ لا يعلم!! لكن لن يبقى مكتوف اليدين ولو لبرهة , خرج من سيارته و خرج أخوتها وأخاها الوحيد، ذهبوا إلى الداخل وأمها تبكي وتنوح، بيد تمسح مدامعها و الأخرى سماعة الهاتف . قالت له: أمك ذهبت, ماتت !
أخذت تتكلم و كأنها لا تنتظر منه أية إجابة ينظر إليها وهو مصدوم ! أكملت أمها ، قالت:إن المستشفى هاتفوا أخاك قبل قليل،قالوا له: إن المرض انتشر في كامل جسمها و إنهم لم يستطيعوا فعل شيء حينها .ذلك الأب الحاني ,ذلك الأب الصامد, الكتوم, التي لطالما ابنته عشقته لروحه ,تراه بذلك الموقف أمام عينيها .أبوها لم يهتف و لا بكلمة اتكأ على تلك الحائط و قال أول جملة بعد صمته الذي طال:لا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم ، و كأنه خرج من صدمته و استوعب أن أمه ذهبت ،فارقت الحياة .
أصبحت الفتاة تتذكر تلك الحادثة بتفاصيلها و كلما ذكرتها أخذ دمعها مجراه عليها فقد كانت أطيب الخلق، ولم ترَ لا جدة ولا أم مثل قلبها الواسع.و ها أنا أروي لكم هذه الحكاية بعد تسع سنوات من فراقها.
5:25صباحاً,. كتبتها قبل سنتين 2008